التوحيد و العدل
بسم الله الرحمن الرحيم
1-التوحيد :
يتفق الزيدية و جمهورعلماء المدرسة السنية على تنزيه الله تعالى عن مشابهة الاجسام اى تنزيهه تعالى عن المعانى التى نفاها الامام الطحاوى فى عقيدته :[ تعالى الله عن الحدود و الغايات- اى النهايات - و الاعضاء و الاركان و الادوات ] و اعتقاد ان ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه من اى وجه , و ليس من التشبيه وصف الله تعالى بانه عالم و قادر وحى و سميع و بصير
فقولنا : ان الله قادر لا كالقادرين اثبات ان الفعل يصح منه تعالى وانه يفعل اذا شاء ويترك اذا شاء وهو معنى القادر ثم بقولنا : لا كالقادرين اثبتنا ان ذاته تعالى لا تشبه ذوات بقية القادرين من اى وجه فليس فى قولنا ان الله قادر كلام فى كنه الذات انما هو فيما يصح من الذات وبين الامرين فرق كبير
و قولنا الله عالم لا كالعالمين فليس هذا الا اثبات ان كل امر ظاهر له تعالى لا تخفى عليه خافية وليس هذا كلام فى ذات الله تعالى و قولنا ان الله تعالى حى لا كالاحياء: اثبات ان الله تعالى يصح ان يقدر و يعلم و هذا معنى الحى , و نفى ان تكون ذاته تعالى مشابهة لذوات خلقه من اى وجه
وقولنا انه سبحانه السميع البصير اثبات انه يدرك المسموع و المبصر فليس فى اثبات ذلك كلام فى كنه ذاته تعالى
اما اثبات التجسيم لذات الله تعالى فهوخوض فى حقيقة الذات الالهية و اثبات ان ذات الله تعالى شىء محدود متناهى ممتد فى الفراغ و اثبات واضح لمشابهة ذات الله تعالى لسائر ذوات المخلوقات فكما ان ذواتهم عبارة عن شىء محدود متناهى كذلك ذاته تعالى فى اعتقاد المجسمة !
و يعتقد الزيدية ان الله تعالى لا يرىفى الدنيا و الاخرة
قال الامام المنصور بالله عبد الله بن حمزة الحسنى – ت614- [أن مذهب آل محمد سلام الله عليه وعليهم وكافة أهل العدل والتوحيد من أتباعهم رضي الله عنهم متقرر على نفي الرؤية عن الله سبحانه في الدنيا والآخرة لكون ذلك مستحيلاً في حقه جل وعلا من أن تدركه الأبصار، وتحيط به الأقطار، وتدركه الحواس، أو يقاس بالناس، وكيف تدرك الجوارح باريها، وتشاهد الأدوات خالقها] المجموع المنصورى – الاجوبة الشافية
و الخلاف مع المنزهين من اهل السنة فى مسالة الرؤية خلاف لفظى على التحقيق , فالرؤية التى يثبتونها رؤية بلا مقابلة او مسافة بين الرائى و المرئى
يقول العلامة الحنفى محمد زاهد الكوثرى رحمه الله فى تعليقاته على الانصاف للباقلانى /187:
[ رؤية اهل الجنة لله سبحانه مجردة عند اهل الحق من المقابلة و المسافة و نحوهما من لوازم الجسمية على خلاف الرؤية فى الشاهد بادلة تنزه الله سبحانه من ان يكون جسما او جسمانيا
و هذا موضع اتفاق بين الفريقين سوى الحشوية
فيجب ان يكونوا متفقين ايضا على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا
و ما عدا ذلك شغب ياباه المحصلون ]
و يقول العلامة الزيدى السيد بدر الدين الحوثى الحسنى فى رده على الشيخ السلفى مقبل الوادعى :
[ قال مقبل : هل تؤمنون بان الله يرى فى الاخرة ؟!
و الجواب : هل تؤمنون بسورة الانعام ؟! هل تؤمنون بما مدح الله به نفسه فيها و بين انه المتعالى عما يشرك المشركون فقال سبحانه و تعالى { و جعلوا لله شركاء الجن و خلقهم و خرقوا له بنين و بنات بغير علم سبحانه و تعالى عما يصفون – بديع السموات و الارض انى يكون له ولد و لم تكن له صاحبة و خلق كل شىء و هو بكل شىء عليم – ذلكم الله ربكم لا اله الا هو خالق كل شىء فاعبدوه و هو على كل شىء وكيل – لا تدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير }
فجاء قوله تعالى { لا تدركه الابصار } فى نسق الصفات التى تبين فساد قول المشركين و فساد نسبتهم الى الله سبحانه شركاء و جعلهم له ولدا , فكانت تلك صفة امنا بها و لم تؤمنوا بها , كما امنا بقول الله تعالى { ليس كمثله شىء و هو السميع البصير } صفة لا تزال لله لا تنتفى عنه فى الدنيا و لا فى الاخرة , لانها جاءت فى الاية فى نسق الصفات المبينة لكونه لا يليق به ما نسبه له المشركون , المبينه لعظمته و جلاله و تعاليه عما يتوهمه المشركون ,
فهى صفات مدح و تسبيح لا تنتفى عن الله سبحانه و تعالى لا فى الدنيا و لا فى الاخرة
:فاما الروايات فكثير منها يمكن تفسيره بمعنى قريب , و هى ان الرؤية فيها مقيدة بكونها كما يرون القمر , و القمر لا نرى الا شعاعه لا جرمه , لان الجرم بعيد جدا و لا يرى من بعيد الا النور , فالمعنى :
انها تتجلى للمؤمنين عظمته تعالى و جلاله و حكمته و رحمته و جبروته و عزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه و تعالى
و يكون العلم بذلك ضروريا بمنزلة العلم بالمشاهدات ,
و اختص بذلك المؤمنون لان اعداء الله فى شغل عن ذلك بانفسهم , كما قال تعالى {و من كان فى هذه اعمى فهو فى الاخرة اعمى و اضل سبيلا } و قال تعالى {و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما ماواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا } و وصف الابرار بضد ذلك فقال { ان الابرار لفى نعيم – على الارائك ينظرون } فكانت مشاهدتهم لقضائه و رؤيتهم لعدله و عزته و رحمته و فضله هى مشاهدة جلاله و عظمته ,
و كان ذلك معنى رؤيته , لانه تجلى لهم بهذا المعنى من حيث كمال المعرفة و العلم و كونه ضروريا كالعلم بالمشاهدات ]
تحرير الافكار/335-337
————–
الرؤية عند السلفية :
قال الشيخ ابن تيمية فى رده على الفخر الرازى:
[ان كون الرؤية مستلزمة لان يكون الله بجهة من الرائى امر ثبت بالنصوص المتواترة ] بيان تلبيس الجهمية 2/409
ثم ذكر بعض احاديث الرؤية التى صححها البخارى و مسلم الى ان قال :
[ و من المعلوم انه اذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس و القمر وجب ان يرى فى جهة من الرائى كما ان رؤية الشمس و القمر كذلك ] بيان تلبيس الجهمية 2/411
و اخيرا نقل اجماع السلف على ذلك :
[ ان كون الله يرى بجهة من الرائى ثبت باجماع السلف و الائمة ] بيان تلبيس الجهمية 2/415
وفريق من علماء المدرسة السلفية يثبت الحد و النهاية للذات الالهية و بعضهم لا يثبته و لا ينفيه , و لعل بعضهم ينفى الحد و النهاية و ان لم اقف على نفى واضح لذلك لاحد علمائهم, و كما يقول ابن تيمية فى رده على الفخر الرازى :
[ اما وصفه بالحد و النهاية الذى تقول انت انه معنى الجسم . فهم – اى الحنابلة – فيه كسائر اهل الاثبات على ثلاثة اقوال :
منهم من يثبت ذلك كما هو المنقول عن السلف و الائمة
و منهم من نفى ذلك , و منهم من لا يتعرض له بنفى و لا اثبات ] بيان تلبيس الجهمية 1/52
و يقول الشيخ فى بيان تلبيس الجهمية 2/109 :
[ اما سلف الامة و ائمتها و من اتبعهم فالفاظهم فيها : انه فوق العرش ,و فيها اثبات الصفات الخبرية التى يعبر عنها هؤلاء المتكلمون عنها بانها : ابعاض و انها تقتضى التركيب و الانقسام
و قد ثبت عن ائمة السلف انهم قالوا : لله حد ,و ان ذلك لا يعلمه غيره ]
والصفات الخبرية التى يقول ابن تيمية ان المتكلمين يعتبرونها ابعاضا اى صفات اليد و الاصابع و الرجل و العينين و الساق و الوجه و .. الخ
و لا معنى لهذه الالفاظ فى اللغة العربية الا معنى الاعضاء و الالات او المعانى المجازية فاذا نفينا ان يكون المراد منها معانيها المجازية لم يبق لهذه الالفاظ من معنى فى اللغة الا الاعضاء و الالات , و علماء السلفية يرفضون تفسير هذه الالفاظ بالمعانى المجازية و لا ينفون بوضوح انها ابعاض
يقول ابن ابى العز فى شرح الطحاوية :[ وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات - فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية ، كاليد والوجه ...
ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء ، أو جوارح ، أو أدوات ، أو أركان
، لأن الركن جزء الماهية ، والله تعالى هو الأحد الصمد ، لا يتجزأ ، سبحانه وتعالى
، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية ، تعالى الله عن ذلك ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين
والجوارح فيها معنى الإكتساب والإنتفاع . وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة . وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى . فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني ، سالمة من الإحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً ، لئلا يثبت معنى فاسد ، أو ينفى معنى صحيح . وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.] انتهى
وهناك من يعتبر هذا نفيا للاعضاء و الابعاض عن الله تعالى , و هناك من يعتبر ان مراده نفى مجرد تفكك هذه الابعاض و تفرقها عن بعضها !! و ان هذا هو ما يقصده ابن ابى العز من قوله : الاعضاء فيها معنى التفريق و التعضية تعالى الله عن ذلك .و قوله : والله تعالى هو الأحد الصمد ، لا يتجزأ , و يتضح المراد من تفسيرالشيخ ابن تيمية لاسم الله تعالى : الصمد
يقول ابن تيمية فى رده على الرازى 2/58 :
[اسمه الصمد ينفى عنه التفرق و التمزق و ما يتبع ذلك من تركيب و نحوه فان اسم الصمد يدل على الاجتماع] . بيان تلبيس الجهمية 2/58
ثم قال 2/59 :
[و لفظ الصمد يدل على انه لا جوف له و على انه السيد .] فمعنى صمدية الله سبحانه فى نظر ابن تيمية ان ذاته تعالى لا جوف لها ! اى مصمتة !! و لا يمكن بالتالى ان تتفرق اجزاء ذاته او تتمزق !! ارجو الا يعجب احد من هذا الكلام و رده على الرازى مطبوع فليقراه من شاء
و يقول ردا على الرازى فى مسالة التركيب 2/95 :
[بل يكون الواجب على هذا التقدير على الطائفتين الاعتراف بما فى بديهة العقل : فيعترفون جميعا بانه فوق العالم و يمتنع ان يكون لا داخله و لا خارجه
و حينئذ يكون مشارا اليه بحسب الحس
و حينئذ يكون فيه ما سماه تاليفا و انقساما و ان لم يكن هو المعروف من التاليف و الانقسام , فان المعروف من ذلك يجب تنزيه الله عنه كما نزه عنه نفسه فى سورة الاخلاص كما تقدم التنبيه عليه بقوله ( الله الصمد )
فان الصمد فيه من معنى الاجتماع و القوة و السؤدد ما ينافى الانقسام و التفرق .]
و يقول فى رده على الرازى 2/248 :
[قد اخبر الله تعالى فى كتابه انه الصمد و قد قال عامة السلف من الصحابة و التابعين و غيرهم ان الصمد هو الذى ((لاجوف له ))و قالوا امثال هذه العبارات التى تدل على ان معناه – اى الصمد – انه لا يتفرق – الى قوله – و هذا يدل على ان صمديته تنافى جواز التفرق و الانحلال عليه فلا يخلو اما ان تكون هذه الاة قد دلت على ذلك و على انه (( مصمت )) لا جوف له يمتنع عليه التفرق , بطل قولك : ان كل جسم يصح عليه التفرق و الانحلال
و ان لم تكن دلت على ذلك فانت لم تذكر دليلا عقليا على امتناع التفرق عليه و لا نصا و لا اجماعا .]
======================
نفى زيادة الصفات على الذات :
يقول العلامة الزيدى السيد مجد الدين المؤيدى :
[الحق الذى عليه قدماء ال الرسول صلوات الله عليهم و من وافقهم من علماء الاصول , و قضت به حجج المعقول و المنقول , ان صفات الله جل جلاله : ذاته
و المعنى انه ليس لله سبحانه و تعالى باعتبار هذه الصفات سواه , لا معنى و لا امر و لا حال ,و لا شىء غير ذى الجلال , بل الذات المقدس يوصف عزوجل من حيث انكشاف جميع المعلومات له و تعلق علمه بها : عالما ,
و من حيث اقتداره على جميع المقدورات و عدم امتناع شىء منها عليه : قادرا ,,
و التغاير انما هو باعتبار المفهوم
فعالم باعتبار تعلق الذات بالمعلومات من حيث كونها معلومات , و قادر من حيث كونها مقدورات ,و هكذا سائرها , فالتعدد حقيقة فى متعلق الصفات لا فى الصفات , فليست الا عبارة عن الذات
] لوامع الانوار 1/185-186
و فى مسالة خلق القران و قدمه يعتقد الزيدية ان القران ذكر من الله محدث و ليس قديما , قال المنصور ابن حمزة :
[ مذهب آل محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ومذهب أهل العدل والتوحيد من علماء الأمة: أن القرآن كلام الله سبحانه، ووحيه وتنزيله، نزل به الروح الأمين، على محمد خاتم النبيين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين والمخلوق يحتمل معنيين: أحدهما: المكذوب قال الله تعالى: ?وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا?[العنكبوت:17] و ?إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ?[ص:7] فعلى هذا الوجه لا يجوز وصف القرآن الكريم بأنه مخلوق لأنه الصدق الذي لا يشوبه الكذب، والجد الذي لا يخلطه اللعب، والثاني: المحدث الموجود بعد القدم المقدر على وجه الحكمة، فهذا يجوز وصف القرآن الكريم به، بل هو الواجب فيه، قال تعالى في صفته: ?وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً?[الأحقاف:12] وما كان قبله غيره فهو محدث، وقال الله تعالى: ?وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ?[الشعراء:5] فوصفه بالحدوث، والحدوث والخلق الذي بمعنى الحدوث واحد؛ لأنه مرتب منظوم يوجد بعضه في إثر بعض، وذلك دليل الحدوث؛ أما أنه مرتب منظوم يوجد بعضه في إثر بعض فذلك ظاهر، وأما أن ذلك من أمارة الحدوث فلسنا نريد بالمحدث إلا الموجود بعد غيره وإن سبقه غيره، وذلك المعقول من المحدث عند الكافة من أهل العلم.] المجموع المنصورى – الاجوبة الشافية
و الخلاف مع المدرسة الاشعرية و الماتريدية فى الكلام النفسى ,و يقول العلامة الاشعرى ابراهيم الباجورى فى شرح جوهرة التوحيد :
[ مذهب اهل السنة ان القران بمعنى الكلام النفسى ليس بمخلوق , و اما القران بمعنى اللفظ الذى نقرؤه فهو مخلوق , لكن يمتنع ان يقال : القران مخلوق و يراد به اللفظ الذى نقرؤه الا فى مقام التعليم لانه ربما اوهم ان القران بمعنى كلامه تعالى مخلوق ] شرح الجوهرة /133
و الحاصل ان الاشعرية يطلقون لفظ القران على امرين : الاول الكلام اللفظى الذى انزل على محمد صلى الله عليه واله وسلم و هو فى اعتقادهم محدث مخلوق
و الثانى هو صفة الكلام النفسى القائمة بذات الله تعالى فى اعتقادهم , و القران بهذا المعنى قديم فى اعتقادهم و ليس بمحدث و لا مخلوق و الكلام النفسى فى اعتقادهم ليس صوتا و لا حرفا
و اعتقاد الزيدية ان الله تعالى يوصف بانه متكلم بمعنى انه قادر على ايجاد و احداث الكلام اللفظى, و لا يحدثه فى ذاته المقدسة فمن ضرورة الدين ان ذاته تعالى ليست محلا للمخلوقات
موقف السلفية من مسالة خلق القران :
تعجب العلامة الاباضى احمد الخليلى من موقف السلفية من مسالة خلق القران و هو بالفعل موقف محير !,حيث نقل فى كتابه القيم ( الحق الدامغ )من موقف ابن تيمية من مسالة خلق القران , حيث نقل نصا لابن تيمية يقول فيه [و لا قال احد منهم – اى السلف – ان نفس الكلام المعين كالقران او ندائه لموسى او غير ذلك من كلامه المعين انه قديم ازلى ]- الفتاوى 12/86- , قال الخليلى :
[و اذا كان الامر كما قرره هنا ففيم اذا هذا الضجيج ؟! و لماذا يقال ان القران غير مخلوق ؟! مع انكاره ان يقول احد من السلف بازليته ؟!
فان قيل ان مرادهم بانكار خلق القران و الانكار على من قال ذلك لم يريدوا به الا انكار كونه ناشئا عن غيره تعالى كما يفيده قول ابن تيمية )مع قولهم ان كلام الله غير مخلوق و انه منه بدا ليس بمخلوق ابتدا من غيره (
فالجواب : ان وصف شىء بالمخلوقية لا يعنى بحال انه صادر عن غير الله تعالى , فالسماوات و الارض و ما فيهما و من فيهما لم تنشا من غيره تعالى , فهل يسلب شىء منها صفة المخلوقية لاجل ذلك ؟ و كما ان مبدا القران من الله كما نص عليه ابن تيمية فان مبدا الكون منه تعالى { امن يبدا الخلق ثم يعيده و من يرزقكم من السماء و الارض االه مع الله قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين }
و ما اعجب التناقض و الاضطراب فى قول ابن تيمية ( ان كلام الله غير مخلوق و انه منه بدا , ليس بمخلوق ابتدا من غيره ) حيث نفى الخلق عن الكلام و اثبت له البداية , و هل البداية الا خلق ؟؟
و قوله فى اخره : ليس بمخلوق ابتدا من غيره , ان كان مراده به ان كل مخلوق ابتدا من غير الله فهو مردود بادلة العقل و النقل كما هو واضح مما ذكرته قبل قليل ,و ان كان مراده به نفى اجتماع الصفتين فى كلامه تعالى – و هما خلقه و ابتداؤه من غيره – فلا معنى لذلك الا ان يحمل ابتداؤه من غيره على انه وصف مقيد للخلق المنفى و هذا و رب الكعبة هو عين ما يقوله القائلون بخلق القران اذ لا قائل منهم بانه ابتدا من غيره سبحانه فان الكل مجمعون على انه كلامه عزوجل و وحيه و تنزيله ] الحق الدامغ /148-149
رد مع اقتباس
——————————————————————————–
22-10-2003 14:40 #2 الزيدى
المشاركات 11
2- العدل =
- القدر :
قال العلامة الزيدى السيد بدر الدين الحوثى [العدلية لا ينكرون انه تعالى يعلم ما سيكون من المخلوقات التى يخلقها سبحانه . و من افعال عباده الطاعة و المعصية و غيرها
و ليس معنى القدر القضاء على العبد بان يعصى, و لا كتابة ان يعصى بمعنى : ايجاب ان يعصى
و لكن كتابة انه سوف يعصى
فالقدر لافعال العباد: سابق غير سائق
و المجبرة يظنون ان من لا يجعل القدر سائقا الى المعصية فقد انكر القدر .
اما الاحاديث التى تثبت القدر فهى غير منكرة كحديث )(و تؤمن بالقدر خيره و شره ) و انما ينكرون نحو رواية محاجة ادم موسى . و فيها ان ادم قال لموسى : كيف تلومنى على امر قدره الله على قبل ان يخلقنى ؟ الى قوله : فحج ادم موسى
و ليس انكارها لاجل اثبات القدر . و لكن لجعله عذرا يرفع اللوم عن العاصى . و لا شك فى نكارة ذلك
و لو كان عذرا لما كان لادم ان ينكر على موسى لومه اياه , لان اللوم الواقع من موسى : مقدر . فكيف ينكر عليه ما هو مقدر اذا كان التقدير يدفع اللوم ؟
مع ان جواب ادم على موسى لوم له على اللوم اذ قال : تلومنى على امر قدره الله على .. فكان لموسى ان يجيب: تلومنى على اللوم و هو مقدر ؟!
فهذه الرواية منكرة لا لاثبات القدر بل لجعله عذرا لاهل المعاصى يرفع عنهم استحقاق اللوم . ]تحرير الافكار /145-146
اما القدر و القضاء بمعنى ارادة الله تعالى لافعال العباد و خلقه لها. فالارادة الالهية فى اعتقاد الزيدية على وجهين : ارادة حتم او الارادة التكوينية و ارادة تخيير او الارادة التشريعية, و الارادة التشريعية لا تتعلق بجميع افعال العباد بل ما امرهم الله به و ندبهم اليه , اما الارادة التكوينية. فارادة الله تعالى للفعل ارادة تكوينية معناها ان الله تعالى سيفعل هذا الفعل و فعل العبد ليس فعلا لله تعالى . فلا يصح القول بان الله يريد فعل العبد ارادة تكوينية
و اذا كان المقصود تعلق ارادة الله تعالى بايجاد و ابقاء قدرة العبد التى يحدث بها العبد فعله , فلا خلاف فى ذلك بين المسلمين
و اذا كان المراد بخلق الله لافعال العباد : خلق قدرة العبد و خلق ارادته فهذا لا خلاف فيه بين اهل القبلة ,و اذا كان المراد بخلق افعال العباد ايجاد الله تعالى للفعل فى العبد دون ان يكون للعبد تاثير فى ايجاده فهذا قول باطل و يلزم منه الجبر
و اذا كان المراد بخلق فعل العبد الجاء العبد الى فعله و ان القدر الالهى يسوق العبد الى افعاله , فهذا هو الجبر
و يقول الامام الهادى يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى [ ان الله سبحانه و عزوجل عن كل شان شانه عدل فى جميع افعاله , و انه برىء من مقالة الجاهلين , متقدس عن ظلم المظلومين , بعيد عن القضاء بالفساد للمفسدين , متعال عن الرضى بمعاصى العاصين , برىء من افعال العباد , غير مدخل لعباده فى الفساد , و لا مخرج لهم من الخير و الرشاد , و كيف يجوز ذلك على حكيم او يكون من صفة رحيم ] الاحكام 1/34
——————–
- الكسب :
يتفق الماتريدية مع الاشعرية فى ان قدرة العبد ليس لها تاثير فى ايجاد الفعل ,و ان العبد ليس له دور فى فعله الا (الكسب )
و قد نقل المحقق الاشعرى المعاصر سعيد فودة فى كتابه (الانتصار للاشاعرة) تحقيقا جيدا للشيخ المحقق محمد الحسيني الظواهري في كتابه "التحقيق التام في علم الكلام" يبين الفرق بين مذهب الماتريدية و الاشعرية فى المسالة :
[ قالوا اى الماتريدية -: إن الأشاعرة التجأوا إلى القول بخلق الله تعالى لكل شيء من الأفعال ومنها الأفعال الإنسانية كلها، لأنهم قالوا: إن الأدلة النقلية ملجئة إلى القول بذلك لعمومها، ولكن الواقع ليس كذلك فإن الأدلة تكون ملجئة إن لم تتعارض مع غيرها ولم تحتمل التخصيص، أماهذه الأدلة التي استندوا إليها فإنها تحتمل التخصيص، فإن ظاهر قول الأشاعرة يلجئ إلى القول بالجبر، لأنهم يقولون: إن كل الأفعال فالله تعالى هو خالقها، ولكننا نقول إن الله تعالى إن أعطى القدرة لعبيده على بعض الأفعال فإن ذلك لا يؤثر على شيء من المقام العالي له تعالى، ولا ينقص من خصائص الألوهية.
ونفي الجبر المحض وتصحيح التكليف لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم كما تقوله المعتزلة بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات إنما يوجد بخلق الله تعالى وكذلك التروك التي هي أفعال النفس لأن الترك كف النفس عن الميل إلى الشيء وعن الداعية التي تدعو إليه وعن الاختيار له إنما يوجد الجميع بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، وإنما محل قدرة العبد عزمه عقيب خلق الله تعالى فيه هذه الأمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد وتوجهه توجهاً صادقاً للفعل طالباً إياه توجهاً لا يلابسه شوب توقف، فإذا أوجد العبد ذلك العزم المصمم خلق الله تعالى له الفعل عقيبه فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حركة. ]
ثم علق الشيخ الحسيني الظواهري على هذا الرأي فقال:
[وهذا الرأي يصحح التكليف بمثل ما صححه به المعتزلة إلا أنهم قصروا المسافة فجعلوا التأثير للعبد في العزم فقط". ]
ثم قال معارضا له:[ وهو كلام إلى الخطابة أقرب ونقول لهم الجبر ينتفي بمدخلية العبد بغير التأثير لأن الجبر عند عدم المدخلية للعبد بالمرة، فقول البعض إن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر فهما منه أن المنافي للجبر هو المدخلية على وجه التأثير مخالفٌ للواقع، لأن الجبر بعدم المدخلية أصلا. ]
و الواقع ان نفى التاثير ينفى المدخلية و لا يبق للعبد اذن من دور فى الفعل الا كونه ظرفا و محلا للفعل ,كما قال الفاضل القوشجي :[المراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاله ] شرح التجريد /444-445
و يقول العلامة الباجورى فى شرح قول العلامة ابراهيم اللقانى :
و عندنا للعبد كسب كلفا ** و لم يكن مؤثرا فلتعرفا
[ و بالجملة فليس للعبد تاثير ما
فهو مجبور باطنا , مختار ظاهرا
فان قيل : اذا كان مجبورا باطنا فلا معنى للاختيار الظاهرى لان الله قد علم وقوع الفعل و لا بد و خلق فى العبد القدرة عليه ؟
و اجيب : بانه تعالى لا يسال عما يفعل
و لذلك قال سيدى ابراهيم الدسوقى : من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم
و من نظر لهم بعين الشريعة مقتهم
فالعبد مجبر فى صورة مختار
و الصوفية يشيرون للجبر كثيرا و حاشاهم من الجبر الظاهرى و انما مرادهم الجبر الباطنى ] شرح الجوهرة /151
اما الكسب الذى اثبته الماتريدية فله معنى يحقق الاختيار للعبد
و يقول العلامة محمد زاهد الكوثرى فى تعليقاته على الانصاف للباقلانى /153:
[ اما ارادة العبد للفعل فهى مدار تكليفه , و هى بيده , جعلها الله هكذا تحقيقا لمسؤلية العبد عن افعاله , و هى متقدمة تقدما ذاتيا على الخلق كما جرت عادة الله على ذلك
فيكون اختيار العبد بعيدا عن سمة الجبر ]
————–
- السلفية و الكسب :
الظاهر من علماء السلفية انتقاد الكسب الاشعرى ..
يقول الشيخ سفر الحوالى فى رسالة منهج الاشاعرة فى العقيدة /23:[ اراد الاشاعرة هنا ان يوفقوا بين الجبرية و القدرية فجاؤا بنظرية الكسب و هى فى مالها جبرية خالصة , لانها تنفى اى قدرة للعبد او تاثير , اما حقيقتها النظرية الفلسفية فقد عجز الاشاعرة انفسهم عن فهمها فضلا عن افهامها لغيرهم]
و يقول علامة السلفية عبد الرحمن السعدى :
[ ان العبد اذا صلى و صام و فعل الخير او عمل شيئا من المعاصى كان هو الفاعل لذلك العمل الصالح و ذلك العمل السىء
و فعله المذكور بلا ريب قد وقع باختياره و هو يحس ضرورة انه غير مجبور على الفعل او الترك و انه لو شاء لم يفعل و كان هذا هو الواقع فهو الذى نص الله عليه فى كتابه و نص عليه رسوله حيث اضاف الاعمال صالحها و سيئها الى العباد و اخبر انهم الفاعلون لها و انهم ممدوحون عليها ان كانت صالحة و مثابون , و ملومون عليها ان كانت سيئة و معاقبون عليها
فقد تبين و اتضح بلا ريب انها واقعة منهم باختيارهم و انهم اذا شاؤا فعلوا و اذا شاؤا تركوا و ان هذا الامر ثابت عقلا و حسا و شرعا و مشاهدة
و مع ذلك اذا اردت ان تعرف انها و ان كانت كذلك واقعة منهم , كيف تكون داخلة فى القدر و كيف تشملها المشيئة ؟
فيقال : باى شىء وقعت هذه الاعمال الصادرة من العباد خيرها و شرها ؟
فيقال : بقدرتهم و ارادتهم . هذا يعترف به كل احد
فيقال : و من خلق قدرتهم و ارادتهم و مشيئتهم ؟
فالجواب الذى يعترف به كل احد ان الله هو الذى خلق قدرتهم و ارادتهم
و الذى خلق ما به تقع الافعال هو الخالق للافعال
فهذا هو الذى يحل الاشكال ] شرح الواسطية لخليل هراس /157-159
و الواقع ان هذا كلام لا فرق فى المضمون بينه و بين معتقد الزيدية و المعتزلة ! و كذلك مذهب امام الحرمين كما فى النظامية و من وافقه من علماء الاشعرية موافق لمضمون مذهب العدلية فى مسالة خلق افعال العباد
فاذا كان المراد بخلق الله لافعال العباد ان الله تعالى خلق قدرة العبد و خلق ارادته و ان العبد ليس مستقلا عن مدد القدرة الالهية , فهذا لا نزاع فيها بين كافة اهل القبلة و لم يقل العدلية من الشيعة و المعتزلة ان العبد هو الذى يخلق قدرته و ارادته بل يعتقدون ان الله تعالى خلق ارادة العبد وخلق قدرته , و لكن محل النزاع بينهم و بين الاشعرية كان فى اثبات تاثير قدرة العبد فى ايجاد الفعل , و السلفية يقرون بتاثير قدرة العبد فى ذلك
و الله الموفق .
——————————————————————————–
23-10-2003 15:58 #3 بلال النجار
مـشـــرف
الدولة عمان/ الأردن
المشاركات 968
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل الزيدي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أهلاً بك عضواً في المنتدى. وأشكر لك مشاركتك السابقة وهذه، إلا أن لي بعض الملحوظات أو قل التدقيقات التي أرجو أن يتسع لها صدرك. ها أنت ذا يا أخي تقرر بعض مسائل ثلاثة المذاهب الزيدية والأشعرية والسلفية، وتخالف السلفية علناً. ثم تأتي بأقوال بعض الزيدية بعد أن سميت نفسك زيدياً. وكأنك تقول على استحياء إنك تخالفنا أي الأشعرية في هذه المسائل وتتبنى رأي الزيدية، ولا تجد رأينا حقاً. ولا يخفى ما في النقول التي أتيت بها من تعريض بأقوال الأشعرية والإشارة إلى خطئها، كما لم يخف تلميحك بأننا نحن وإياكم متفقون على مخالفة السلفية وهذه نقطة تقارب والتقاء بين المذهبين.
وأحب أن أقول لك بصراحة أيها الأخ، إني أحب أسلوباً أكثر وضوحاً من هذا. فكم أود أن يعلن المرء عن نفسه بكلام صريح، ويقول لي أنت تقول كذا وكذا، وأن أخالفك في هذا الكلام، لأني أعتبر كلامك خاطئاً والدليل على خطئه هو كذا وكذا، وأنا أقول في مقابل قولك كذا، والدليل عليه كذا. هكذا هي طريقة الباحثين عن الحقيقة، والراغبين في الوصول إليها كما أفهمها أنا على الأقل، ولا أسيء بك الظن، ولكني أعجب من طول طرايق الناس في توصيل المعاني التي يريدونها، مما يثير شكوكي في مقاصدهم أحياناً.
ولتعلم أني أعتقد أن خير ما يبدأ به للتقريب بين المذاهب هو تأسيس قواعد الخلاف، وبيان الخلافات وتحريرها مهما كانت فرعية وصغيرة، لا تجاوز الخلافات قبل تحقيقها ومعرفة لوازمها، ومعرفة المنهج النظري والأساس الذي تولدت عنه هذه الخلافات.
وها أنت ذا تأتي إلى منتدى تأسس لنشر مذهب أهل السنة والجماعة وهم الأشعرية والماتريدية، كما تعلم تمام العلم. فحين يأتي زيدي إلى هذا المنتدى ويعرض أقواله في مقابل أقوالنا بصرف النظر عن مدى تحقيقه لأقوالنا وقوة عرضه لها، فما الذي يريده هذا الشخص؟ أنت قل لي.
هل تريد أن تناقشنا في كل مسألة مسألة من التي ذكرت الخلاف فيها: الرؤية، والكلام النفسي، والكسب، وكون الصفات عين الذات أم زائدة عليها. إن كان الأمر كذلك فأهلاً وسهلاً بك مرة أخرى، وأنا أوافق على الكلام معك إن كنت تريد ذلك، فابدأ بأي مسألة تشاء، قررها على مذهبك ورد مذهبي فيها ودعنا نشرع في الكلام. وإن كان مقصدك شيئاً آخر، فبينه لنا، فإنا لا نعرض أقوال المخالفين لأهل السنة في هذا المنتدى دون التنبيه على موضع الخلاف ومقدار خطورته ومنشأ هذا الخلاف وما يلزم عليه، لأنك كما تعلم فإنه يوجد في هذا المنتدى من هو محقق لمذهب أهل السنة، كما أن فيه أيضاً من بالكاد يستطيع تصوير مسائل الكلام. وهذا أمر لا بد من مراعاته لكي لا تلتبس الأمور على المبتدي.
والآن آتي إلى مناقشة سريعة لمجمل ما كتبته في هذه المشاركة تحت عنوان التوحيد في مسألة الرؤية. ولن أستوعب كل ما قلته ههنا لانشغالي، ورغبتي في معرفة مقصدك من كتابة هذا المقال. ثم النقاش بيننا آتٍ،وأنا سأفرغ لك إن شئت، والله يفعل ما يريد.
إن الخلاف بيننا وبينكم في مسألة الرؤية لا يجوز أن يطلق القول فيه بأنه لفظي، لأنه إنما هو لفظي في جانب من جوانبه، أو لنقل إن نفيكم للرؤية وإثباتنا لها تواردا على محلّين مختلفين. نعم إن ما نفيتموه أنتم وهو الرؤية بشرائطها القانونية الحالية فإننا أيضاً نفيه في الدنيا والآخرة،ولكننا نثبت وراء ذلك نوع إدراك يحصل لنا في الدار الآخرة للذات العليّ سبحانه، ونسميه رؤية، وهو زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية التي توصلنا لها بعقولنا في الدنيا من العلم بوجوب وجوده، وعلمه، وقدرته، وإرادته، وغير ذلك من الصفات والأحكام التي أثبتناها لله تعالى. وقول العلامة المحقق محمد زاهد الكوثري رحمة الله عليه: (فيجب أن يكونوا متفقين أيضاً على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا) فهذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع، لأنكم تصرحون بنفي الرؤية التي يشرحها بعينها كلام المولى الكوثري. فلا أدري ماذا أفادك الإتيان بقوله في هذا الموضع.
وهذا الخلاف لا يمكنني أن أسميه خلافاً لفظياً، كما ترى. بل هو خلاف معنوي حقيقي.
أما استدلال السيد بدر الدين بالآية الكريمة، فظاهر أنه متعلق بمطلق الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الشروط المعهودة في رؤية الحوادث وبدونها. وهذا الكلام لا يسلم له مطلقاً، ومناقشات الأشعرية لهذه الآية مشهورة، ولا تخفى على مطلع مثلك. نعم إذا أراد الاستدلال على حشوي فإنه يجوز أن يقول إن هذه الأبصار بهذه القيود لا تدرك الإله سبحانه لا في الدنيا ولا في الآخرة،لأن الإله ليس من جنس ما تدركه، ولكنا نمنع ما وراء هذا الكلام من تعميم، وهو التلميح بأن الله تعالى لا يجوز أن يرى مطلقاً بالرؤية التي يشرحها أهل السنة.
فقوله: (فأما الروايات فكثير منها يمكن تفسيره بمعنى قريب, وهي أن الرؤية فيها مقيدة بكونها كما يرون القمر , والقمر لا نرى إلا شعاعه لا جرمه, لان الجرم بعيد جداً ولا يرى من بعيد إلا النور , فالمعنى: إنها تتجلى للمؤمنين عظمته تعالى وجلاله وحكمته ورحمته وجبروته وعزته بما يشاهدون فى القيامة من قضائه سبحانه وتعالى)
أقول: أولاً كلامه في أن القمر بعيد لا يرى إلا شعاعه ولا يرى جرمه من أغرب ما سمعت في حياتي، لأن كل رؤية بالعين بحسب قوانين عملها المعروفة الآن إنما هي كذلك، سواء كانت لجرم بعيد أو قريب. وقوله كما يرون القمر لم لا يفهم منه شدة اليقين برؤيته ووضوح تلك الرؤية أو عدم اختصاصها بالبعض دون الآخر مثلاً لا سيما وأن الحديث الشريف يشير إلى شيء من ذلك حيث يقول لا تضامون في رؤيته، فلم نظر إلى رؤية القمر من هذه الجهة، وههنا تأويلات أخرى محتملة.
إن قوله: إنها تتجلى .. إلخ، كلام لطيف، وقد يكون إدراك هذه المعاني وشدة تحققها في النفس لا بالنظر العقلي هو المعني بالرؤية. ولكن هذا هو عين تأويل الرؤية سواء سلمنا له استدلاله بالحديث الشريف الذي ذكره على ذلك أم لا. ولكن هذا الأمر هو عين المتنازع فيه إن كنت تلمح ذلك أيها النبيه. لأن غاية ما قلناه هو أنا نثبت رؤية تحصل لنا في الآخرة، ولا نعرف حقيقة تلك الرؤية. فإن كنتم تقولون إنها إدراك يحصل للإنسان من غير نظر، بل بالاضطرار فلم تنازعوننا في إثبات مثله، وإن كنتم تنفون هذا المعنى فلم ترتكبون هذا الإنكار والأخبار كثيرة في هذا الباب. فإن قلتم لا نسلم قطعيتها، قلنا فلم لا تجيزونها على سبيل الظن؟ فقد تقرر أن قوة الاعتقاد من قوة الدليل، وحيث لا موجب قطعياً فلا نلزم أحداً بالقطع. ولكنكم لا تجيزون أن يكون شيء اسمه رؤية بغير هذه الحاسة والكيفية من المقابلة واتصال شعاع وكون المرئي جسماً وفي جهة من الرائي إلخ من الشروط العادية، فبم تفسرون المرائي والأحلام وقد حصلت بفقدان بعض تلك الشرائط؟
وحاصل مذهبكم ما نقلته أنت عن عبد الله بن حمزة الحسني، أنكم لا تجيزون الرؤية لاستحالتها في الدنيا والآخرة.
وحاصل الجواب عنه أنا لا نسلم أن الرؤية منحصرة في هذه المعتادة، بل معناها أعم من ذلك، ويمكن رؤية الذات العلي بنوع رؤية لا تستلزم التشبيه والتجسيم حاشى الله تعالى أن يكون له صورة تنطبع في النفوس. ولا نسلم أن ذلك مستحيلاً كما ذكر، بل ذلك جايز في العقول، ثابت ولو على غلبة الظن في المنقول، فلا مبرر لنفيه. ولو وقفنا منكم موقف المعارض لكم بالنصوص المثبت للّفظ، المفوض مطلقاً للمعنى، وسلمنا لكم ظنية النصوص لا قطعيتها، فما الذي يبرر عندها قولكم: إن الرؤية مستحيلة حال تنزيهنا للعلي الجليل عن مشابهة الحوادث؟
ثم إن غاية ما توصل إليه السيد بدر الدين باجتهاده هو ظن هذا المعنى للرؤية،ولا يرقى بنا ما قاله إلى القطع بهذا المعنى الذي فسرها به، فبم يرجح قوله على قولنا؟
قولك: (وليس من التشبيه وصف الله تعالى بأنه عالم و قادر وحي وسميع وبصير)
ليس هذا محل نزاع بيننا وبينكم. ولكن النزاع في أنه هل هنالك صفة قايمة بالذات الإلهي اسمها العلم، وأخرى اسمها القدرة، والإرادة إلخ أم لا؟ وأنتم سميتم أنفسكم أهل التوحيد لنفيكم تلك الصفات، وتوهمكم بأن إثباتها يقتضي تعدد القدماء، مع أنكم تعلمون أن ذلك لا يلزمنا، لأنا نقول إن تلك الصفات لا هي عين الذات في الذهن، ولا هي غير الذات العليّ في الخارج. وكان الأليق بك وأنت تتكلم تحت عنوان التوحيد أن تقرر أنه هل من وجهة نظرك كزيدي يلزم أهل السنة القول بتعدد القدماء، أو لا؟ وهل هذا الخلاف حقيقي أو لا؟ وما الذي يترتب على هذا الخلاف؟ بدل أن تضعنا وإياكم في طرف في مقابل أهل الحشو والتجسيم. فإنهم إنما يخالفوننا ويخالفونكم، وأنتم تخالفونهم وتخالفوننا، ونحن نخالفهم ونخالفكم. وما أحببت يوماً من مخالف لي أن يكلمني أنا والحشوي، لأن بعض المخالفين يتعمد أن يأتي بكلام السلفية في مقام الكلام مع أهل السنة فيتوهم القاري أن السلفية منهم، ولا يخفى شدة تهافت القوم، فيظلم أهل السنة بسبب تلك الأقوال الساقطة ممن ينتسبون إليهم وهم ليسوا منهم.
قولك: (الرؤية عند السلفية…) لا تعليق لي عليه، بل أعرف هذا وأكثر عن ابن تيمية، ولا أدري إن كنت اطلعت على الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية لشيخي الفاضل سعيد فودة، فلقد بحث هذه المسائل والكثير غيرها هناك.
في انتظار جوابك. وفقكم الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين
——————————————————————————–
23-10-2003 20:33 #4 الزيدى
المشاركات 11
.
بسمه تقدست اسماؤه , و تظاهرت الاؤه
الاخ الفاضل بلال :
و عليك السلام و رحمة الله و بركاته .
هذا الموضوع المتواضع الذى طرحته هنا هو جزء من موضوع كتبته قبل شهور فى احد المنتديات , و لم يكن غرضى منه نقد الاشعرية او السلفية او الرد عليهم , بل كان غرضى حصر موارد الاتفاق و الخلاف بين المدارس الاسلامية ليس اكثر .
و طرحته هنا لعلى اجد من الاخوة الاشاعرة حفظهم الله تعليقا على ما نسبته لهم من اراء , فما يهمنى بداية و قبل الخوض فى اى نقاش : ان نحقق اراء كل فرقة كما يفهمها المنتمون اليها .
———
و لى تعليقات وجيزة على بعض ما تفضلتم به ..
قلت وفقك الله :[قول العلامة المحقق محمد زاهد الكوثري رحمة الله عليه: (فيجب أن يكونوا متفقين أيضاً على حصول معرفة ضرورية بالله سبحانه لهم فى الجنة فوق معرفتهم الاستدلالية الغيبية به تعالى فى دار الدنيا) فهذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع، لأنكم تصرحون بنفي الرؤية التي يشرحها بعينها كلام المولى الكوثري. فلا أدري ماذا أفادك الإتيان بقوله في هذا الموضع. ]
و الجواب :
ان ما نقلته عن العلامة الكوثرى رحمه الله يتفق مع ما قرره السيد بدر الدين الحوثى حفظه الله , و هو ان الرؤية هى نوع معرفة بالله تعالىزائدة على معرفتنا الاستدلاية به تعالى فى الدنيا , و قد عبر عنها الكوثرى بالمعرفة الضرورية , و عبر عنها السيد الحوثى بالعلم الضرورى بالله تعالى و الذى يكون بمنزلة العلم بالمشاهدات .
فكيف تقول اننا ننفى الرؤية التى يشرحها كلام الكوثرى ؟!
و كيف تتعجب من اتيانى بقوله فى هذا الموضع ؟!
و قد تعجبت من اصراركم على ترسيخ الخلاف بيننا فى المسالة !
حيث قلتم :[إن الخلاف بيننا وبينكم في مسألة الرؤية لا يجوز أن يطلق القول فيه بأنه لفظي، لأنه إنما هو لفظي في جانب من جوانبه، أو لنقل إن نفيكم للرؤية وإثباتنا لها تواردا على محلّين مختلفين. نعم إن ما نفيتموه أنتم وهو الرؤية بشرائطها القانونية الحالية فإننا أيضاً نفيه في الدنيا والآخرة،ولكننا نثبت وراء ذلك نوع إدراك يحصل لنا في الدار الآخرة للذات العليّ سبحانه، ونسميه رؤية، وهو زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية التي توصلنا لها بعقولنا في الدنيا ]
و اقول : اننا كما نتفق فى نفى الرؤية بشرائطها الحالية , فاننا كذلك نتفق فى اثبات نوع ادراك يحصل لنا فى الدار الاخرة لذات الله سبحانه زائد على المعرفة الاستدلالية البرهانية فى الدنيا
فلماذا تصر على ان الخلاف بيننا حقيقى معنوى و ليس لفظيا ؟!!
——————-
الى ان قلتم :[أما استدلال السيد بدر الدين بالآية الكريمة، فظاهر أنه متعلق بمطلق الرؤية في الدنيا والآخرة بهذه الشروط المعهودة في رؤية الحوادث وبدونها. وهذا الكلام لا يسلم له مطلقاً، ومناقشات الأشعرية لهذه الآية مشهورة، ولا تخفى على مطلع مثلك]
و اقول : ان الاية الكريمة نص فى نفى الرؤية البصرية لله تعالى , و قد طالعنا مناقشات اهل السنة للاية فوجدناها تنحصر فى امرين :
1-تارة يقولون ان المراد نفى الرؤية فى الدنيا , و فى كلام السيد الحوثى جواب كافى عن هذا القول
2- و تارة يفسرون الادراك بالاحاطة : و الادراك فى اللغة هو اللحاق و ليس الاحاطة فالعرب لا تقول ادركت بالشىء تريد انها احاطت به
قال فى اللسان 3/1363 ( الدرك : اللحاق .. وتدارك القوم : تلاحقوا وفى التنزيل (( حتى اذا اداركوا فيها )) .)
وقال فى تاج العروس 7/126 : قال ماتن القاموس وشارحه ( الدرك : محركة اللحاق ) وقد ادركه اذا لحقه وهو اسم من الادراك وفى الصحاح : الادراك اللحوق يقال : مشيت حتى ادركته وعشت حتى ادركته )
وقال الجوهرى فى الصحاح 4/1582[الادراك اللحوق يقال مشيت حتى ادركته وعشت حتى ادركت زمانه
وادركته ببصرى : رايته ]
تلك نصوص اهل اللغة و اساطينها
اما استدلالهم بقوله تعالى { فلما تراءى الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون } على ان الادراك ياتى بمعنى الاحاطة مع ظهور ان معناها ان القوم سيلحقون بنا
قال الحافظ ابن حجر فى الفتح بعد ان نقل هذا الاستدلال عن القرطبى :
[ وهو استدلال عجيب ! لان متعلق الادراك فى اية الانعام : البصر
فلما نفى كان ظاهره نفى الرؤية بخلاف الادراك الذى فى قصة موسى ولولا وجود الاخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن هذا الظاهر ]
فالادراك حتى لو افترضنا جدلا انه ياتى بمعنى الاحاطة فانه اذا تعلق بالبصر لا يفيد الا الرؤية قطعا فقولنا ادركه بصرى اى رايته كما ان قولنا ادركه سمعى اى سمعته
اما قول الحافظ : لولا الاخبار لما ساغ العدول
فالجواب : ان العدول سيكون فى هذه الحالة الى القول بتخصيص الاية بالدنيا , و فى كلام السيد بدر الدين رد كاف عليه .
———————–
الى ان قلتم وفقكم الله [قولك: (وليس من التشبيه وصف الله تعالى بأنه عالم و قادر وحي وسميع وبصير) ليس هذا محل نزاع بيننا وبينكم. ولكن النزاع في أنه هل هنالك صفة قايمة بالذات الإلهي اسمها العلم، وأخرى اسمها القدرة، والإرادة إلخ أم لا؟]
و الواقع اننى لم اقصد الرد عليكم بهذا الكلام , بل كتبته ردا على سلفية العصر الذين يحتجون دائما بانه اذا لزم من اثبات اليد و نحوه التشبيه فكذلك اثبات الصفات المعنوية ..
و لم اقصد الرد على الاشعرية فى مسالة اثبات الصفات المعنوية .
——
و قد طالعت كتاب الكاشف الصغير للمحقق سعيد فودة حفظه الله , و قد اجاد فى كشف عقيدة التجسيم عند ابن تيمية , لكن فاته ان يعرض ما تضمنه الجزء الثالث من كتاب بيان تلبيس الجهمية من طامات .
و الله الموفق .
رد مع اقتباس
——————————————————————————–
25-10-2003 14:21 #5 بلال النجار
مـشـــرف
الدولة عمان/ الأردن
المشاركات 968
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل الزيدي،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أشكر لك تفضلك بالتعليق على ما كتبت. وقد بدأت أحب الكلام والتباحث معك. والعذر إن أنظرتك طويلاً قبل الرد، إذ كنت أمس في شغل وأي شغل. لقد تزوج مولانا الشيخ سعيد فودة أطال الله بقاءه أمس بفاضلة من طالبات العلم، واشتغلنا جميعاً في مشاركته الفرح، أدام الله تعالى السرور في قلبه، وبارك الله له وعليه، وجمع بينه وبين زوجه على خير، ورزقه الولد الصالح إن شاء الله تعالى، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. أما بعد،
فقولك: (هذا الموضوع المتواضع الذي طرحته هنا هو جزء من موضوع….)
أقول: ليتك قلت فما رأي الأخوة الأشعرية فيما نسبته لهم من مقالات، وهل لأحد من الحاضرين من تعليقة يغني بها البحث، وأمثال ذلك لنفهم مرادك. أما وقد بينت الآن فلنرفع الكلام فيه إلى هو أهم. والله يوفقنا ويوفقك وجميع المسلمين إلى ما يحب ويرضى.
قولك: (ولي تعليقات وجيزة على بعض ما تفضلتم به…)
أقول: حبذا لو تصرح بالموافقة على ما أقرره حين توافق، كما تعلق على المعارضة عن تعارض، أو تجيز لي أن أعتبر كل ما لم تعلق عليه إقراراً وتسليماً منك بقولي.
قولك: (إن ما نقلته عن العلامة الكوثري رحمه الله يتفق مع ما قرره السيد بدر الدين الحوثى حفظه الله…)
أقول: أنا أعرف هذا الموضع من كلام الكوثري حق المعرفة، ولكنك ربما لم تنفذ إلى ما أردته حين قلت إن هذا الوجوب وإن كان مأمولاً فإنه غير واقع. ولعلك لم تلاحظ تعجبي المتكرر منكم في أنكم إن كنتم تقولون بهذا المعنى، فلماذا يشاغب سائر أهل العدل والتوحيد على حد تعبيركم بالتبويب على أن الله تعالى لا يرى. وتأمل كلام الكوثري جميعه تعرف مقصودي، قال رحمه الله: (رؤية أهل الجنة لله سبحانه مجردة عند أهل الحق من المقابلة والمسافة ونحوهما من لوازم الجسمية، على خلاف الرؤية في الشاهد، بأدلة تنزه الله سبحانه من أن
المزيد